ملا محمد مهدي النراقي
93
جامع السعادات
كان من جنس المألوف في الدنيا ، ولو كان مثل هذه النيات مفسدة للعبادات لكان الترغيب والترهيب والوعد والوعيد عبثا ، إذ كل ما وعد به الجنة وأوعد عليه النار مما رغب ووعد به ورهب وأوعد عليه ، وما ورد في الترغيب والترهيب والوعد والوعيد من الآيات والأخبار أكثر من أن يحصى قال الله - سبحانه - : ( ويدعوننا رغبا ورهبا ) ( 4 ) . ثم كيف يمكن للعبد الضعيف الذليل المهين الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا شيئا مما ينفعه ويؤذيه ، أن يستغني عن جلب النفع لنفسه أو دفع الضرر عنها من مولاه . ومن تأمل يجد أن القائل ببطلان العبادة بإحدى النيتين ترجع النية الصحيحة في عبادته إلى إحداهما وهو لا يشعر به . ومما يدل صريحا على ما ذكرناه قول الصادق ( ع ) : ( العباد ثلاثة : قوم عبدوا الله - عز وجل - خوفا ، فتلك عبادة العبيد . وقوم عبدوا الله - تبارك وتعالى - طلب الثواب ، فتلك عبادة الأجراء . وقوم عبدوا الله - عز وجل - حبا له فتلك عبادة الأحرار ، وهي أفضل العبادة ) ( 5 ) . وهذا يدل على أن العبادة على الوجهين الأولين لا تخلو من فضل أيضا ، فضلا عن أن تكون صحيحة . نعم لا ريب في أن العبادة على الوجه الأخير لا نسبة لمنزلتها ودرجتها إلى درجة العبادة على الوجهين الأولين ، فإن من تنعم بلقاء الله والنظر إلى وجهه الكريم ، يسخر ممن يلتفت إلى وجه الحور العين كما يسخر المتنعم بالنظر إلى وجه الحور العين بالملتفت إلى الصور المصنوعة من الطين ، وكما يسخر المتنعم بالنظر إلى وجه النساء الجميلة بالخنفساء التي تعرض عن النظر إلى وجوههن وتلتفت إلى صاحبتها وتألف بها ، بل هذه أمثلة أوردناها من باب الاضطرار ، إذ التفاوت بين جمال الحضرة الربوبية وجمال الحور العين أو النسوان الجميلة أعظم كثيرا من التفاوت بين جمال الحور العين والصور المصنوعة من الطين وبين جمال
--> ( 4 ) الأنبياء ، الآية : 90 . ( 5 ) صححنا الرواية على أصول الكافي : الجزء الثاني ، باب العبادة